« آخـــر الــمــواضــيــع »
         :: الزواج في الأديان والنحل ( الكاتب : المربي )       :: الامتحانات الجهوية الاولى باكالوريا بجميع مسالكها العلمية والادبية pd ( الكاتب : touati abdenbi )       :: الامتحانات الوطنية للسنة الثانية باكالوريا بجميع مسالكها ( الكاتب : touati abdenbi )       :: فروض منزلية الثانية باكالوريا في مادة الفيزياء و الرياضيات ( الكاتب : touati abdenbi )       :: دروس مادة الفلسفة الجذع المشترك التقني ( الكاتب : estem )       :: دروس مادة التربية الإسلامية الجذع المشترك التقني ( الكاتب : estem )       :: فروض منزلية الأولى باكالوريا ( الكاتب : touati abdenbi )       :: فروض منزلية للجدع المشترك في مادة الفيزياء و الرياضيات ( الكاتب : touati abdenbi )       :: جميع دروس إعدادي pdf ( الكاتب : touati abdenbi )       :: جميع دروس الاولى باكالوريا علوم وآداب ( الكاتب : touati abdenbi )      

تهنئة للأستاذ المدير العام لمنتديات المربي محمد الكطابي الذي حاز على وسام الاستحقاق الوطني من الدرجة الأولى
  
مركز تحميل الصورمركز تحميل الصورمركز تحميل الصور



الحث على التداوي

الدورة الأولى


إضافة رد
قديم 12-03- 2008, 05:02 PM رقم المشاركة : 1 (permalink)
معلومات العضو
إحصائية العضو






  التقييم soufian5 is on a distinguished road

soufian5 غير متواجد حالياً

 


المنتدى : الدورة الأولى
افتراضي الحث على التداوي


تمهيد:تعريف التداوي


التداوي لغة: مصدر تداوى: أي تناول الدواء، وهو مأخوذ من داواه عالجه(2) وجمع الدواء: أدوية. وهو: "اسم لما استعمل لقصد إزالة المرض والألم"(3) ويطلق على المرض الداء، وهو مصدر من داء الرجل يداوى، وفي لغة: دوى يدوى دوى. وجمع الداء: أدواء. وهو: "علة تحصل بغلبة بعض الأخلاط على بعض"(4).
والتداوي لا يخرج في استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي له، فهو: "استعمال ما يكون به شفاء المرض بإذن الله من عقار (طبي) أو رقية، أو علاج طبيعي: كالتمسيد ونحوه"(1).


المبحث الأول: حكم التداوي من الأمراض


لما كان حفظ النفس من أهم الضرورات الشرعية اللازمة، فقد اقتضى هذا اتباع مختلف الأسباب التي تؤدي لهذا الحفظ؛ فالإنسان - ولله المثل الأعلى - عندما يغرس الشجرة وأنواع النبات يتعهدها بالماء، ويعمل على حفظها من الآفات، وعندما يبني البناء يتعهده بما يلزمه من المواد الضرورية كي يبقى سليماً من التصدع والسقوط، وإذا كان هذا في عالم المادة فهو آكد وأوجب في عالم الإنسان؛ فالنفس في مراحلها تواجه الكثير من العوارض المرضية التي تتولد من الغذاء، أو من البيئة، أو من العلل المصاحبة لوجودها.
وهذه العوارض والعلل تتنوع شدة وضعفاً، وقد قدّر الله للإنسان أجله فلا يتقدمه أو يتأخره، وفي هذا قال عز وجل: ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون(2).
ولكن حكمته -عز وجل- اقتضت أن يكون للإنسان إرادة في إصلاح نفسه بما ينفعه في دينه ودنياه، وفي هذا قال تعالى: من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها(3).
والعمل الصالح في إطلاقه يقتضي ما فيه نفع الإنسان في دينه ودنياه؛ فمداواته نفسه من الأمراض والعلل يعد إصلاحاً وقواماً لها في أمور الدين والدنيا معاً؛ فالمريض لا يقدر على كسب رزقه ورزق ولده، والمريض لا يؤدي واجباته الدينية مثلما يؤديها السليم في نفسه، وهذه المداواة إن لم تكن من الواجبات - على رأي من يقول ذلك - فهي من المقاصد الشرعية؛ لأن الإنسان ملزم بحفظ نفسه، ومن حفظها مداواتها عندما تتعرض لعارض أو علة(1).
والأصل في التداوي الكتاب، والسنة، والمعقول، أما الكتاب فأذكر هنا ما قاله الإمام الحافظ ابن حجر بأن مدار الطب على ثلاثة أشياء:
- حفظ الصحة.
- الاحتماء عن المؤذي.
- استفراغ المادة الفاسدة.
وقد أشير إلى هذه الأشياء في كتاب الله:
فالأول: (حفظ الصحة) قول الله تعالى: فمن كان منكم مريضا أو على" سفر فعدة من أيام أخر(2). وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر إبقاء على الجسد، وكذا القول في المرض.
الثاني: وهو الحمية من قوله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم(1). فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد.
أما الثالث: فقول الله تعالى: أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك(2). فإنه أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس(3).
أما السنة فقد حث رسول الله على التداوي من الأمراض والعلل، حيث روى جابر بن عبد الله أنه قال: (لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ بإذن الله عزوجل)(4). وروى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: (ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)(5).
وفي حديث ابن مسعود مرفوعاً: (إن الله عز وجل لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله)(6).
وفي حديث أسامة بن شريك أنه بينما كان عند النبي جاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله، أنتداوى؟ فقال: (نعم: يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد) قالوا: وما هو؟ قال: (الهرم)(1). وفي حديث أبي الدرداء مرفوعاً أن رسول الله قال: (إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا ولا تداووا بحرام)(2).
وفي حديث أبي خزامة: قلت: يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ قال: (هي من قدر الله)(3). وفي حديث زيد بن أسلم مرسلاً أن النبي قال لرجلين: (أيكما أطب؟) قالا: وفي الطب خير؟ قال: (أنزل الداء الذي أنزل الدواء)(4).
وفي هذه الأحاديث إخبار وأمر: أما الإخبار فقول رسول الله : (إن لكل داء دواء) وهذا الإخبار يفيد العلم اليقين؛ لأن رسول الله مبلغ لرسالة الله وما ينطق عن الهوى"(5). فعلم من هذا بداهة أن لكل مرض دواء باستثناء داء واحد هو الهرم (الشيخوخة)، وهذا هو ما ورد في كتاب الله في قوله عز وجل: ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى" ومنكم من يرد إلى" أرذل العمر(6).
وقوله: ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى" من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى(1).
وعدم شفاء بعض الأمراض، أو استعصاؤها على الأدوية لا يعني أنها مستعصية في ذاتها، بل ربما أن الطب لم يستطع معرفة دوائها. واستقراء تاريخ الطب يؤكد هذا؛ فكثير من علاج الأمراض لم يحدث إلا بعد سنوات طوال من التجارب؛ فمرض التدرن الرئوي مثلاً كان يقتل العديد من البشر قبل معرفة علاجه، ومثله مرض الجلاكوما الذي كان يدمر العصب البصري قبل معرفة علاجه، وقس على ذلك العديد من الأمراض الأخرى .. وعندما يقال اليوم إن هناك أمراضاً مستعصية أو ميؤوساً منها فلا يعني ذلك أنه ليس لها دواء البتة، بل لأن الطب ربما عجز عن معرفة دوائها كما ذكر، وهذا مصداق قول رسول الله : (علمه من علمه وجهله من جهله). وقد يحدث العلم بمعرفة الدواء، وقد لا يحدث في هذا الزمان أو ذاك؛ لأن علم الإنسان سيظل قاصراً إلى أن يعلمه الله العلم؛ لأنه لا علم إلا منه، كما قالت الملائكة لله عز وجل: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم(2).
وأما الأمر بالتداوي فالدليل عليه قول رسول الله للأعراب: (تداووا). وقوله عليه الصلاة والسلام: (تداووا ولا تداووا بحرام)(3)، وهذا أمر، والأمر في إطلاقه يفيد الوجوب، ولا يستثنى منه إلا ما كان محرماً. وما كان يأمر به رسول الله من التداوي كان يفعله بنفسه؛ فقد ورد في مسند الإمام أحمد أن عروة كان يقول لأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - يا أمتاه، لا أعجب من فهمك أقول: زوجة رسول الله وابنة أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول: ابنة أبي بكر وكان أعلم الناس أو من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ قال: فضربت على منكبه وقال: "أي عريّة، إن رسول الله كان يسقم عند آخر عمره، أو في آخر عمره وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فكانت تنعت له الأنعات وكنت أعالجها له فمن ثم"(1).
وقد احتجم عليه الصلاة والسلام فأمر بالحجامة وقال: (شفاء أمتي في ثلاث: ... شرطة محجم)(2).
واستدل الفقهاء بهذه الأحاديث على جواز التداوي أحياناً ووجوبه أحياناً أخرى. ففي مذهب الإمام أبي حنيفة القول بهذا الجواز، بل إن من أصحاب المذهب من أجاز التداوي بالمحرم كدواء العين بلبن البنت إذا علم فيه الشفاء، ولم يوجد دواء غيره.. وفي التهذيب يجوز للعليل شرب البول، والدم، والميتة، للتداوي إذا أخبره طبيب مسلم أن فيه شفاءه، ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه. أما إن قال الطبيب يتعجل به شفاؤك ففيه وجهان، وهل يجوز شرب العليل من الخمر للتداوي ففيه وجهان. وقد ذكره الإمام التمرتاشي وكذا في الذخيرة: "وما قيل إن الاستشفاء بالحرام حرام غير مجري على إطلاقه، وأن الاستشفاء بالحرام إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاء، أما إن علم وليس له دواء غيره يجوز، ومعنى قول ابن مسعود - رضي الله عنه - لم يجعل شفاؤكم فيما حرم عليكم، يحتمل أن يكون قال ذلك في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة فلا يكون الشفاء بالحرام وإنما يكون بالحلال"(1).
وفي مذهب الإمام مالك أن التداوي مما لا بأس به وأن ذلك لا ينافي التوكل؛ لأن النبي كان على غاية التوكل وكان يستعد للحرب، وقال لصاحب الناقة: (اعقلها وتوكل)، ويجوز التعالج بكل ما يراه العالم بالطب نافعاً ومناسباً لصاحب المرض من الأسماء، وهذا خاص بالعلاج الحلال، أما المحرم فلا، أي لا يجوز التداوي بالخمر إلا ما قام الدليل عليه، مثل أن يدفع بها غصته أو عطشاً(2).

آخر مواضيعي 0 الحث على التداوي
رد مع اقتباس
قديم 12-03- 2008, 05:04 PM رقم المشاركة : 2 (permalink)
معلومات العضو
إحصائية العضو






  التقييم soufian5 is on a distinguished road

soufian5 غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : soufian5 المنتدى : الدورة الأولى
افتراضي تتمة الموضوع


وعند الإمام الشافعي أن العلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان(3). وذكر الجمل في حاشيته أنه لو قطع بإفادته كعصب محل الفصد وجب، وقال: ويجوز الاعتماد على طب الكافر ووصفه ما لم يترتب على ذلك ترك عبادة أو نحوها مما لا يعتمد فيه(1). وإذا اضطر المريض إلى التداوي بشرب الدم أو البول أو غيرهما من النجاسات المائعة غير المسكر جاز له ذلك بلا خلاف(2).
ويرى الإمام الغزالي أن "الأسباب المزيلة للمرض تنقسم إلى مقطوع به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع، وإلى مظنون كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل وسائر أبواب الطب، أعني معالجة البرودة بالحرارة والحرارة بالبرودة، وهي الأسباب الظاهرة في الطب، وإلى موهوم كالكي والرقية. أما المقطوع فليس من التوكل تركه بل تركه حرام عند خوف الموت. وأما الموهوم فشرط التوكل تركه إذ به وصف رسول الله المتوكلين، وأقواها الكي ويليه الرقية. وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء ففعله ليس مناقضاً للتوكل بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظوراً بخلاف المقطوع، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص، فهي على درجة بين الدرجتين"(3).
وفي مذهب الإمام أحمد يرى القاضي وأبو الوفاء وابن عقيل وابن الجوزي أن الأفضل فعله، وجزم به ابن هبيرة في الإفصاح، وقيل يجب، وزاد البعض إذا ظن نفعه. والذين قالوا بتركه ابتغوا فضيلة التوكل أو ربما قصدوا تركه لمنافاته التوكل(1).
ويرى الإمام ابن تيمية أن كل ما قاله رسول الله بعد نبوته وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع، لكن التشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة. ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب، فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرع لاستحبابه فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أم مستحب أم واجب، ثم يقول: ".. وقد يكون منه ما هو واجب وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره، كما يجب أكل الميتة عند الضرورة، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة فلم يأكل حتى مات دخل النار، فقد يحصل أحياناً للإنسان إذا استمر المرض ما إن لم يتعالج معه مات والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف، وكاستخراج الدم أحياناً"(2).
ويرى الإمام ابن القيم أن الأحاديث النبوية في مسألة التداوي قد تضمنت إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: (لكل داء دواء)، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله، ولهذا علق النبي الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضد، وكل داء له ضد من الدواء يعالج بضده، فعلق النبي البرء بموافقة الداء الدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصد عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصراً، ومتى لم يقع المداوي على الدواء أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء، لم ينفع، ومعه كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثم مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولابد، وهذا أحسن المحملين في الحديث(1).
ثم يشير الإمام ابن القيم إلى المنكرين للتداوي بحجة التوكل ويرد عليهم بقوله: "وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، ولا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسماء التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عما ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما به العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد لهذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحل والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً.
وفيها رد على من أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قدر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قدر، فكذلك. وأيضاً المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يدفع ولا يرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله وأما أفاضل الصحابة، فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي بما شفى وكفى، فقال هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع، والعطش والحر، والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع.
ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرة؛ لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا، لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا(1). و لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا(2). فهذا قالوه دفعاً لحجة الله عليهم بالرسل.
ثم يشير -رحمه الله- إلى التأثير النفسي للتداوي فيقول: "وفي قوله (لكل داء دواء) تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعر نفسه أن لدائه دواءً يزيله، تعلق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سبباً لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته.
وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. وأمراض الأبدان عنوان أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضاً إلا جعل له شفاء بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله، وصادف داء قلبه، أبرأه بإذن الله تعالى"(3).
فقد ورد في قرار مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره السابع إلى الثاني عشر من شهر ذي القعدة لعام (1412ه) ما يلي: "فيكون (التداوي) واجباً على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه، أو عجزه أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية"(1).
قلت: وأما الأصل الثالث في التداوي فهو المعقول؛ ذلك أن الإنسان بطبعه يكره الألم، وقد لا يكون له قدرة في الصبر عليه؛ لأن الألم ضد اللذة؛ فالله -جل وعلا- عندما قال: المال والبنون زينة الحياة الدنيا(2). أدركنا عقلاً أنه ليس في الفقر لذة وليس في العقم لذة، كما أدركنا نقلاً أن أهل الجنة لا يمرضون؛ لأنه ليس في المرض لذة، والجنة كلها لذات لأهلها.
والله -جل وعلا- عندما قال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم(3). أمر عباده أن يجتنبوا كل رديء أو نجس من المأكولات، لما يسببه ذلك من ضرر للنفس، ومن ضمن هذا الضرر المرض وآثاره المادية والنفسية.. ومن يقول بترك التداوي من المرض يخالف طبيعة الأشياء؛ لأنه بذلك يقسر النفس على ما لا تطيقه، ويصرفها عما تريده؛ ذلك أن المرض يسبب الألم، وفي الدواء تسكين لهذا الألم، ورغبة النفس في اللذة بتسكين الألم من مسلمات العقل.
والدواء يكون مستحباً في حالات، وواجباً وضرورياً في حالات. أما المستحب فما قد يصيب الإنسان من ألم خفيف فيصير عليه إذا ظن أن ذلك عارض يزول بزوال سببه من حر أو برد أو نحوهما، فالمريض بحاله هذه أدرى طالما أن الألم لم يدركه ولم ينزله منزلة الضرر والخطر، أما الواجب أو الضروري فعندما يكون في حال يستضر بها، والأمثال على هذا كثيرة، فقد يتعرض لحادث يجعله ينزف دماً، فإن ترك الدم على حاله تلك فقد حياته وقد يتعرض لهجوم من دابة أو حيوان مفترس، فإن لم يتداو يدركه خطر السم فيموت، وقد يصاب بعدوى مرض خطير أو (فيروس) قتل، فإن ترك علاجه تردت حاله فهلك، ففي هذه الأمثلة وأشباهها يجب عليه التداوي، ولا حجة له بالقول بالتوكل؛ لأنه إذا امتنع عن العلاج أصبح قد عرض نفسه للهلاك، فهو بهذا لا يختلف عمن يترك الطعام والشراب مع إمكان حصوله عليه حتى يموت، فدخل في حكم قول الله تعالى: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة(1). وقوله عز وجل ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما(2). فكان كحال من قتل نفسه.
وأما القول بمنافاة التداوي للتوكل فيرد عليه بأن منزل الداء هو المنزل للدواء، وهو الله، فكلاهما من قدره، وكلاهما من حكمته وإرادته، وهذا هو معنى قول رسول الله لأبي خزامة (هي من قدر الله)، وهذا هو أيضاً معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم الطاعون في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها)(3). والطاعون في كلتا الحالتين من قدر الله. ولا يعني عدم الدخول إلى البلاد الموبوءة فراراً من قدر الله، وهذا هو ما فعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين رجع بمن معه إلى المدينة لما علم في الطريق عن الطاعون الذي حدث في الشام، ولما قاله له من معه أتفر من قدر الله؟ قال -رضي الله عنه-: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"(1

آخر مواضيعي 0 الحث على التداوي
رد مع اقتباس
قديم 12-03- 2008, 05:05 PM رقم المشاركة : 3 (permalink)
معلومات العضو
إحصائية العضو






  التقييم soufian5 is on a distinguished road

soufian5 غير متواجد حالياً

 


كاتب الموضوع : soufian5 المنتدى : الدورة الأولى
افتراضي تتمة الموضوع


- إن موضوع التداوي بالرقى من الموضوعات المهمة في هذا العصر، التي يحتاج إليها كثير من الناس، وبخاصة بعد أن انتشرت مراكز العلاج بالرقى، وكثر من أقحم نفسه في معالجة الناس بها دون أن يعرف أصول التداوي بها والضوابط الشرعية لها. وكثر المترددون على تلك المراكز حسب ما نقرأ ونشاهد في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فيحتاج لبيان الحكم الشرعي .
- إن مداواة الإنسان نفسه من الأمراض والعلل يعد إصلاحاً وقواماً لها في أمور الدين والدنيا معاً؛ فالمريض لا يقدر على كسب رزقه ورزق ولده، والمريض لا يؤدي واجباته الدينية مثلما يؤديها السليم في نفسه، وهذه المداواة إن لم تكن من الواجبات - على رأي من يقول ذلك - فهي من المقاصد الشرعية؛ لأن الإنسان ملزم بحفظ نفسه، ومن حفظها مداواتها عندما تتعرض لعارض وعلة.
- قد اتفق الفقهاء على حرمة التداوي بالمحرم أو النجس في حال الاختيار، بأن لم تكن ثمة ضرورة إليه، لوجود الدواء المباح الذي يقوم مقامه في علاج الداء، أو لعدم تعينه في معالجته.
- الرقية الشرعية هي ما يرقى به من الدعاء لطلب الشفاء.
- قد رقى رسول الله نفسه وغيره وأقر أصحابه عليها.
- يشترط أن تكون الرقية موافقةً لكتاب الله تعالى أو لسنة رسول الله بمعنى ألا تعارض أي أصل من أصول التضرع والتوسل والدعاء في استجلاب الخير والشفاء والعافية، أو دفع الضرر والبلاء. والأولى من ذلك أن تكون بشيء من كتاب الله تعالى أو سنة رسول الله مما يستشفى به ويتعوذ به ويرقى به على وجه الخصوص، كقراءة بعض الآيات أو السور، أو بشيء من أسماء الله وصفاته، أو بذكر ودعاء ورد في الكتاب والسنة في مثل هذه الأحوال. سئل الإمام الشافعي -رحمه الله- عن الرقى فقال: "لا بأس أن يُرقى بكتاب الله وما يُعرف من ذكر الله".
- والأصل مجانبة الرقية للشرك ووسائله، ثم المحرمات من الأقوال والأفعال التي يطلبها الراقي من المسترقي، أو أن تتضمن دعاء غير الله، أو استغاثة بالجن أو بالخلق فيما هو حق الله تعالى وحده، ولا تكون بعبارات محرمة كالسب والشتم واللعن.
- يجب مراعاة مجانبة وبراءة الرقية من السحر الذي هو الاستعانة بالجن والشياطين بعد التقرب إليها بما يغضب الله تعالى، أو تكون من كاهن أو عراف.
- كذلك ألا تكون بهيئة محرمة، كأن يتعمد الرقية في الحمام أو أماكن النجاسات، أو أن يكتب فيها حروف (أبا جاد)، أو أن يعتمد على النظر في النجوم.
- وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
- الشروط والضوابط في الراقي:
- أن يكون مسلماً.
- عدلاً تقياً .
- عالماً خبيراً، مراعياً آداب التوكل، جامعاً بين بذل الأسباب وعدم الاعتماد عليها وبين تعلق القلب في حصول نتائج الأسباب على الله تعالى متوكلاً عليه.
- لا منافاة بين بذل الأسباب والسعي في تحصيلها بما هو مشروع، وبين التوكل على الله تعالى، واعتقاد القلب واطمئنانه إليه - جل وعلا- في حصول المنافع ودفع المضار. بل إن في بذلها كمال التوكل على الله وامتثال أمره. فقد جاءت النصوص الكثيرة في الكتاب والسنة تأمر ببذل الأسباب والسعي الجاد في تحصيلها.

آخر مواضيعي 0 الحث على التداوي
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
( عندما يكون الحب دواء وعندما يكون الحب داء ) нıcнαм منتدى الفوائد 0 15-10- 2009 02:57 PM
التداوي في رمضان .. بين الفقه والطب ily@ss خاص بشهر رمضان المبارك 0 28-07- 2009 05:45 PM
انواع الحب ..........فمن أى الحب أنت؟ ρяıи¢eѕѕ ѕıѕѕσ منتدى المواضيع العامة 3 25-07- 2009 01:51 PM
الحث على التداوي taoufik الدورة الأولى 3 11-05- 2009 07:03 AM
التداوي 2 طيِّبُ القلب الدورة الأولى 0 19-03- 2008 09:29 AM


عدد زوار المنتدى إلى الآن
Loading...


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.6.0 PL2 TranZ By Almuhajir
][ جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر صاحبها ... ولا تعبّر بأي شكل من الأشكال عن وجهة نظر المنتدى ][